السيد محمد باقر الصدر

138

المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )

ولا تلحظ النسبة بينهما ؛ لأنّه بحسب لسانه ومقام إثباته رافع للموضوع وإن لم يكن الموضوع مرتفعاً أصلًا ، لا خارجاً ولا اعتباراً . فإن كانت الحكومة المحتملة للأصل في الأبيض على الأصل في الأسود في المثال من القسم الأول فلا محالة إنّما يحرز اقتضاء الدليل لجريان الأصل في الأسود بعد سقوط جريان الأصل في الأبيض ، حيث إنّ اقتضاءه لذلك فرع تحقّق موضوعه المحتمل توقّفه على عدم إجراء الأصل في الأبيض ، وحينئذٍ فلا يحرز موضوع الأصل الجاري في الأسود المحقّق لشمول الدليل له إلّا بعد سقوط الأصل في الأبيض بالمعارضة . فإذا قلنا بجريان الأصل الطولي في أمثال المقام فيكفي احتمال الطولية في المقام للجريان ، وعدم وقوع الأصل المحتمل الطولية طرفاً للمعارضة ابتداءً ، إذ طرفية أصل للمعارضة متوقّفة على إحراز اقتضائه ووجود موضوعه ، وإلّا فمع الشكّ في موضوع الأصل لا يكون معارضاً ، وإنّما يحرز موضوعه في المقام بعد سقوط الأصل في الإناء الأبيض بالمعارضة ، وفي هذه المرتبة لا معارض له . فإن قلت : إنّ لازم ذلك عدم الأخذ بكلّ محكومٍ عند الشكّ في الحاكم ، فمثلًا لا يتمسّك بالاستصحاب بعد الفحص لاحتمال وجود خبرٍ واقعاً يكون حاكماً ورافعاً لموضوعه ، ولا يمكن الالتزام بذلك ، فلا بدّ من الالتزام بأنّ الحاكم إنّما يكون حاكماً بوجوده المحرز ، لا بوجوده الواقعي . قلت : بل الحاكم بالحكومة المتكلّم عنها في المقام - أي الرافع للموضوع - يكون حاكماً بوجوده الواقعي ، فالخبر بوجوده الواقعي حاكم على الاستصحاب ؛ لأنّ الاستصحاب اخذ في موضوعه عدم وجود العلم بالانتقاض واقعاً ، لا عدم إحراز العلم بالانتقاض ، وحيث يشكّ في وجود الخبر فيشكّ في أنّه هل اعتبر المكلف عالماً بالانتقاض ؟ وهل هو داخل في موضوع الاستصحاب ، أوْ لَا ؟ انّه في سائر موارد احتمال الحاكم ، نتمسّك باستصحاب عدم الحاكم ، وعدم التعبّد بالإحراز ، ونحو ذلك ممّا يثبت به موضوع الأصل المحكوم . فإن قلت : فليتمسّك في المقام أيضاً باستصحاب عدم وجود حاكمٍ على الأصل في الإناء الأسود ، فيثبت موضوعه ، ويكون معارضاً حينئذٍ للأصل في الإناء الأصفر في عرض الأصل الجاري في الإناء الأبيض في المثال المزبور . قلت : إذا كان هناك حكم واقعي أو ظاهري مترتّب على موضوع وجرى استصحاب ذلك الموضوع فذاك الحكم الواقعي أو الظاهري إنّما يثبت بنفس دليل الاستصحاب ، لا بدليله المثبت له ، وهذا من خواصّ كون حكومة الاستصحاب على الأدلة حكومةً ظاهريةً لا واقعية . فمثلًا : إذا استصحبنا اجتهاد زيدٍ فجواز تقليده يثبت بنفس الاستصحاب ، لا بدليل جواز تقليد المجتهد ، كما هو واضح . وعليه فنقول في المقام : إنّ الأصل المؤمِّن في الإناء الأسود إذا أثبتنا موضوعه - وهو عدم وجود الحاكم بالاستصحاب - لم يكن مقتضى ذلك ثبوت الأصل المزبور في الإناء الأسود بدليله ، بل إنّما يثبت بنفس دليل الاستصحاب تعبّداً ، كما هو الحال في جواز التقليد عند استصحاب الاجتهاد ، وحينئذٍ فلا يكون استصحاب عدم الحاكم محقّقاً لاقتضاء الأصل في الإناء الأسود وموضوعه حقيقةً حتى تقع المعارضة بينه وبين الأصل في الإناء الأصفر في عرض الأصل في الإناء الأبيض ، بل الاستصحاب المذكور بنفسه يكون متكفِّلًا للتعبّد بجريان الأصل في الإناء الأسود ، فيقع بنفسه طرفاً للمعارضة مع الأصل في الإناء الأصفر . وأمّا دليل الأصل الجاري في الإناء الأسود فوقوعه طرفاً للمعارضة فرع اقتضائه ، واقتضاؤه إنّما يثبت جزماً بعد سقوط الأصل في الأبيض بالمعارضة مع الأصل في الطرف الآخر ، وفي هذه المرتبة لا معارض لاقتضائه ، فيجري ، فتدبّره فإنّه دقيق .